الخميس، 19 أغسطس 2021

مارية 13 الذهاب الى السُم

 

اسماعيل رمضان


رقيق رقيق أقل في حوافه من شعاع نورخافت، شوقي إليك يحيط

بي، ويلتف مثل سلك فولاذ يستخدم للقتل أو الإعدام، ناعم وأرق من

حرير، لكنه قوي ومتين، يغور عميقاً داخلي، رغم أن لا أحد يستطيع أن

يلمسه لرقته ونعومته، لا أدري كم هو رفيع!


كخيط يفصل الحياة عن الموت، واللقاء عن الفراق، والمحبة عن

الكراهية، حياتنا نسج من خيوط رفيعة متشابكة، بعضها في طرفه أول

الدرب، وآخره الخيبة والسم، وبعضها مجدول نسير عليه برشاقة لاعب

أكروبات، جميل وجذاب، ويحمل احتمالات السقوط في هاوية، توازن

مُرعب في عشق اللحظة والسقوط في الفراق.


عند الرحيل نقول ترحل روحي معك، ولكن نبقى في مكاننا،

ونترك الجزء الذي سافر منا معك، نبقى معلقين على مسمار كمعطف قديم

على جدار الذكريات في ذات الغرفة التي كانت مضيئة في يوم ما، ويبقى


منها ظل الرجل على هيئة معطف، يبلى ويبدو عليه القدم، ولكنه معلق ولا

يرحل، وعندما نرحل ليس لنا مكان نذهب إليه سوى الفراق الذي فينا.


حضر المساء، ونزع المعطف نفسه عنك، وعُلق بمسمار، قال المعطف

ليس هناك فرق كبير بين ما نُحبّ وما نكره، نُحِب ما هو حُلم، ونكرههُ عندنا

نستيقظ منه، فلا شيء حقيقي وصادق تماماُ في العلاقات الشخصية، وأجد أنك

أكبر من جيلك، فأنت مُزدحم بأحلام كثيرة، وحُلمك في مارية أكبر من

إمكانياتك، وهي غير موجودة إلا في خيالك، والحلم لا تعرف سوى أوله فيفتح

لك الطريق على متاهة من أحلام أخرى، أوساط الحلم ونهاياته، فالحلم الأول

كما الكذبة الأولى تحتاج لاستمرارها أن تكذب مزيداً من الأكاذيب، ربما حتى

21 كذبة حتى تجعل منها حقيقة، والحلم لتجعل منه حقيقيا، ولا تخرج من

المتاهة، بل تعمل منها بيتاً لك لتقتنع أن حياتك حقيقية.


الحلم له لون واحد الوردي، والأسى كما الخيبة لونها الرماد، ومذاقها

التراب.


-والحقيقه ما لونها؟


-الحقيقة هي كل الألوان في بداية تشكلها، ولكنها سرعان ما تزول .


-لماذا تزول.


-لأنها حقيقية ومتحركة ولا تدوم، ويبقى منها الحلم الذي نرغب

باستمراره ونتوه فيه.


-وماذا تفعل الان؟


- لا أفعل شيئاً، فقط اتوه بين الحلم واليقظة، والحقيقة والسراب.

لدرجة أنني أؤمن أحياناً بالقدر، فهو مخدر قوي لمن يتذرع بالصبر بعد أن

تسربت من عمره الأيام في مسيرتها نحو العدم.


- يبدو أنك تشعر بالندم.


- كلا ونعم. إنني أشعر بالعجز أكثر، فقد امتلأت روحي بالسقم، كلما

تبدى لي حلم وظهرت الأشياء جميلة وفيها روح البدايات، تتبدد ويظهر

فيها ما يخدع البصر، وتصبح رحيلاً وفراقاُ، لا تكون سوى سُم يشعر

بحزن دفين، فكلما عشت أكثر، وكنت اجتماعياً أكثر تكون قد حصلت على

لدغات في روحك أكثر، وإن كان ليس جميعها سَاماُ.


- أنت الان مليء بالسموم.


-ليس بالضرورة، فذاكرتي انتقائية وأكتفي بتذكر البدايات، وأحتفظ

بوجدان حزين على النهايات، وآمل أن ثمة متاهة لم أدخلها بعد، وأشعر

بسعادة لأني لم أفقد القدرة على الحب.


-ما أنت؟


-أردية وعِرى.


-أرى أنك تشبه شيئاً أعرفه، أنت ذلك المعطف. فلقد كان له رداءين

وقلق.


اختبأ الحلم ولبسني المعطف المدعوك بتجاعيد ماضي قريب، يُتقن

الصمت المُريب، ولم أدري أي منا الغريب، كان المعطف المعلق على

المسمار المغروز في جدار أوهامي حقيقياُ أكثر مني، فما زال الدفء يملأ

جيوبه المثقوبة بالأحزان، وأنا بارد، يعتريتي صقيع سافر يستبد بي،

غادرني الحنان بعد أن بهتت فيا ماريا، والآن يخاصمني الشوق

ويحتضنني الفراق.


--ما يختاره الأفراد من البشر في غالب الأحيان، وما تسعى إليه

الآن بشوق وشغف هو ما يؤذيك لاحقا.


- حقاُ . كيف ذلك ؟ إنك بسهولة تعرض حكماً جازمًا وقاطعُا.


- نعم, وإن ما يبدو ويبدأ شوق وحاجة اليوم، يتحول لعبء في الغد،

أمر لا تستطيع التخلص منه، تعصف بك لحظة أوساعات وأيام أو شهور

وسنين، وما تظنه حاجتك في الآخرين واهماً هو ما يقتلك بالذات، يقتلك

الفراق والشوق، والحب والكراهية سموم تفسد بها روحك الساعية، ولعلك

أنت تذهب لما يُناسب روحك الفاسدة، أو لحظتك المؤقتة القاصرة، أو

تعطي قيمتك لمن لا يفهم هذه القيمة، فميزان القياس لديه يختلف صنعاُ

وأداءً عن ميزانك وميزاتك، فصفاتك لديه فيك الصفة تختلف عندما تصل إليه، يقولبها في صفاته وتُصبح متضمنة فيه، ولا تعود كما كانت لديك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإثار

 بقلم الشاعر بندر حمود العامري  ¤¤¤  الإثار. ¤¤¤ الكاتب/أ_ بندر حمود العامري.                            ¤¤¤  كان يصلي في مسجده القريب من من...