المفرجي الحسيني------------------------------------
المدينة التي أسكن فيها جميلة وبيوتها متناثرة بين الروابي والمروج ووسط المدينة يعج بالحركة الهادئة كل ركن في مدينتي مسالم وأُناسها طيبون. الطريق الرئيسي يمر وسط المدينة وعلى جانبيه تقع المحلات التجارية على شكل آحاد، واحد للأحذية، وواحد للملابس وهناك محلات لكل ما يحتاجه الإنسان محل واحد لكل اختصاص، حتى أن مضخة الماء واحدة ومحطة الوقود واحدة، والشارع الرئيسي فيها واحد يدخل من المدينة الشمالي باتجاه واحد ويخرج باتجاه الجنوب صوب المدن الأخرى في شمال المدينة تلال وهضاب، بعضها مرتفع نوعاً ما وكأنها تشكل حدود مدينتي الشمالية. السفوح الشمالية للمرتفعات أصبحت مكاناً للنفايات ومنذ نشوء المدينة فإن هذه النفايات غالباً ما تحرق من قبل الناس فتتصاعد منها روائح المواد المتفسخة ورائحة الدخان الأسود بسبب الاحتراق. وكأنه دخان أزلي لبئر بترول أو بركان مستمر بالهيجان على السفح الثاني للمرتفعات باتجاه المدينة ثمة كوخ مهجور متآكل السقف، سقط حجر البناء من بعض جدرانه وجوانبه ويغلف سقف هذا الكوخ وجدرانه السخام الأسود لدخان المزابل المحروقة وعندما يتحرك الدخان باتجاه الكوخ بفعل الرياح يغطيه بغيمة سوداء وتراه من بعيد كأنه بيت للجن والشياطين ولاسيما عندما يجلس سكانه أو يقفون أمام الباب وكلهم أطفال وعددهم عشرة ماتت أمهم، والأب شبه عاجز يعمل يوماً ويُطرد أيام الأسبوع الأخرى بل كل الشهر لأنه هو والموت واحد لا يفترقان حتى العمال وأصحاب المعامل والشركات أطلقوا عليه الميت البائس وتقوم الابنة الكبرى بالاعتناء بهؤلاء الأطفال العشرة وبالميت البائس حيث تولت مهمة الرعاية والاعتناء بأخوتها بعد وفاة أمها التي ماتت شقاءً وكمداً فلم تعد تقوى على الحركة، هزلت حتى ماتت في فراشها. سكان المدينة يحبون أفراد هذا الكوخ لأنهم أفراد بسطاء ومسالمون، ويحترمون الأخت الكبيرة لهذه العائلة المسحوقة. عندما تدخل المدينة يقف لها الجميع احتراماً ولا يمعنون النظر إليها كي لا تُحرج من ملابسها الرثة أو من السخام الأسود الذي أصبح هالة حول عينيها وتحت ذقنها، ببعض النقود العليلة تتبضع طعاماً بسيطاً لأخوتها حتى أن صاحب البقالة لا يحاسبها ويأخذ منها ما تعطيه، وهو يعرف أن النقود التي يأخذها منها أقل من استحقاقه بل إنه يود أن لا يأخذ منها شيئاً ولكن يخشى إحراجها.
لقد تحملت هذه الفتاة التعيسة الكثير بسبب أخوتها ووالدها العاجز، إنهم بحاجة إلى العناية وتساعدها في حمل هذه الهموم شقيقتها الأقل منها عمراً وتشاركها التعاسة والمعاناة. الناس في المدينة يريدون الخير لهذه الفتاة التعيسة، هذه الفتاة لا تشكو، لا تتألم، لا تتذمر، ضاحكة مبتسمة دائماً بالرغم من تعاستها وتعبها في رعاية أخوتها ووالدها. ناس المدينة يظنون أنها ملاك بملابس رثة يسكن في الكوخ المهجور الأسود الجدران. إن أسعد لحظات يومها عندما تلقي بجسدها النحيل على فراشها، وتحس بالراحة. ولكن حتى هذه اللحظات الخالية من الأحلام، الخالية من الكوابيس لا تنعم بها . هنا صوت صغير يناديها: أريد ماءً، وآخر: أريد قطعة من الخبز، تغفو قليلاً ويسعدها أنها تعانق جسدها وتسرح في معالمه، هي تعشق هذا الجسد لأن الابتسامة المشرقة دائماً على مساحة وجهها سببها معالم الجسد الغض الفتي ودماثة خلقها وأخلاقها وشقائها في العناية ببيتها وأخوتها. أحبها الناس وأحبها (ابن تاجر البلدة) الكبير المدمن على الكحول والذي كان يسومه سوء العذاب، هذا الفتى تعلق بالفتاة المسحوقة، منذ وفاة والده المدمن، حرمان والده له من العيش برخاء وقسوته عليه، زاده تعلقاً بالفتاة وازداد حُباً بعمله في دكان والده الذي خلفه له وقد أجرى تحسينات على هذا المكان، ليكون كل شيء على أحسن ما يرام وتكون الفتاة فخورة به وبعمله، الفتى جادٌ بعمله ولا يسمح لنفسه بالعبث حتى مع زبائنه بل حتى اللهو مع نفسه، أحست الفتاة بحبه لها وهيامه بها . خرجا معاً ذات يوم باتجاه التلال على الطريق الترابي غير المعبَّد يتحدث ويتحدث واضعاً يديه في جيبي السروال يتطاير التراب الأحمر من تحت قدميه وحتى هامة رأسه. وكلما اقتربا من التلال يتحول التراب الأحمر إلى اسود ورائحة المزابل تزكم الأنف. لم تحرك الفتاة ساكناً، يداها مهدلتان سائبتان بجنبها، تضايق الشاب من رائحة دخان المزابل أما هي فقد تعودت على هذه الروائح وهذا الدخان لأنه بات جزءً من حياتها. تصبب العرق من جبينه وأخرج كفيه من جيبي سرواله مبللة بالعرق. التفتت إليه وهو يزداد توتراً، ويزم شفتيه حتى كاد يدميها، ضمَّ أصابع يديه المعرقتين إلى بعضهما بشدة، احمرت وجنتاه، وغاصت عيناه في لحم وجهه المكتنز، ويحدث نفسه لماذا تُسبل يديها طول الطريق الذي عفَّر وجهي بترابه الأسود ورائحته النتنة، يبدو أنها غير راغبة بي، ومن تكون هي حتى لا تلتفت إلى أنها بنت فقيرة قبيحة، تسكن كوخاً مهجوراً مصبوغاً بالسخام، مجاور المزابل. كل ذلك والفتاة تنظر إليه بهدوء كعهدها لقد علمتها الطبيعة وظروفها أن لا تغضب، رأته وهو يمتعض منها كلما اقتربا من التلال وعفَّر وجهه تراب الطريق المبتل بسخام دخان المزابل، خرج من سكونه وراح يتحدث بصوت مسموع: أنا ابن التاجر، أنا الفتى تاجر المدينة. أسير بهذا الطريق الترابي مع فتاة تعيسة! وما هذه الرائحة النتنة التي تنطلق من المزابل وفي ذات الوقت تفوح من الفتاة؟ وكأن السماء فوقهم لا تريد أن تشرق وتبتسم لهم . غيمة دخان المزابل تظلل كوخهم الهَرِمْ. وبسلوك سريع وغريب رجع يركض باتجاه المدينة تاركاً الفتاة وحدها. لم يصبها الذهول أو الانبهار لأنها تعودت حالة فقرها وعوزها. استمرت تسير باتجاه كونها وعائلتها. إن هذا الفتى يمكنه أن يحميها من الفقر، مع إنها طوال هذه السنين قد وفرت لنفسها وأخوتها ما تستطيع من الحاجات الإنسانية ولكنه لا يملك أن يعطيها قليلاً من الحب. التفتت إلى الوراء وشاهدته يبتعد كثيراً ليتجه صوب الشارع الرئيسي وغرقت في دوامة من الضحك والتمعت عيناها واغرورقت بالدموع، وخرج أخوتها الصغار من الكوخ راكضين باتجاهها، وأمسكوها من يديها وأسمالها: هيا بنا إنا نتضور جوعاً، هيا يا أختنا، ألا تسمعين؟ ساروا ودخان المزابل فوقهم وتحت أرجلهم ومن حولهم وهم ضاحكين وبدت الفتاة جميلة أكثر مما هي عليه. أمسكت بيد أختها وتراب الطريق يعفر أرجلهم ورائحته تملأ ملابسهم الرثة. توجهوا صوب كوخهم العتيق. وعلى دكة الكوخ تنفست الفتاة نفساً عميقاً من دخان المزابل وشعرت براحة وصفاء.
*********
المفرجي الحسيني
فتاة الكوخ المهجور
العراق/بغداد
30/6/2021
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق