السبت، 5 يونيو 2021

حديقة الحكيم

 د. عبدالحليم هنداوى


حديقة الحكيم

١.العودة

أتى من بعيد من ظلمات رحم الغربة بعد أن ابتعد عنهم بجسده عشرات السنين خرج شابا يافعا مفعما بالطموحات والآمال الكبيرة ثم عاد كهلا وجهه متهللا بانوار الحكمة التف حوله الصبيان والبنات والشيوخ وأخذوا يتهامسون صحيح انه ابتعد عنا فترة ليست بالقصيرة لكن لا يبدو عليه اثر الزمن مثلنا فوجهه يسطع نورا ويشع حكمة

فاستدار لهم وقال يا رفاق لا تحكموا على ظواهر الأشياء دون بواطنها فربما غطت القشور الخارجية على ماهية ما يحويه اللباب

فقالوا تركتنا سنين عدة بحثا عن المال والعمل ثم أتيت ونراك لا تعبأ بالمال!

ووجهك يشع نورا وحكمة

فقال تعلمون أن بالسفر فوائد عدة ليس أهمها المال اما المال فهو بين أيديكم ترونه وتحت ارجلى ما كان ابدا من أولوياتي لأننى اكتشفت بالغربة أشياء كثيرة أهم من المال على رأسها الحكمة ومن اوتى الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا

فقام أحدهم وقال يا حكيم كلمنا عن الفقر والغنى فقال الحكيم هل هناك فرق بين الغنى والفقير سوى وجبة طعام وثياب؟!

وعقب الفقر نحن من نجلبه لأنفسنا فجلنا يخشي من الفقر ويتعايش به خوفا من الآتى وقد خلق الله جميع الكائنات وقدر لها رزقها ولو رضى كل إنسان بما قدر له لعاش سعيدا لكن علة الإنسان فى كثرة التطلع ومد البصر بما فى يد الغير

انظر للعصفور انه يودع صغاره ويحلق بالسماء باحثا عن الرزق ولا يدرى وجهته فيرسل الله له إشارات أن اهبط فى ذاك الحقل فيهبط جماعات أو فرادى وكل يلتقط رزقه ولم نر عصفور يقتل أخيه من أجل الرزق ثم يتحول هذا الطعام فى حوصلته إلى حليب سهل الهضم فيطير إلى صغاره ويستقلب هذا الحليب باجوافهم فى مشهد بديع قمة بالعطاء والتوكل

فقام أحدهم وقال يا حكيم ان لنا احتياجات تتعدى حوائج الطيور من مسكن ومأكل ومركب وغيره

فقال الحكيم كل هذه الحاجات ماهى الا قشور كلما قللت منها ولم تعرها اهتماما عشت سعيدا وعش دائما على قدر ما أعطاك الله من رزق بلا إسراف أو تقطير

واحذر أن تمد عينيك إلى ما بيد غيرك فهذه هى العلة الحقيقية للبشر فكل إنسان له ظروف تختلف عن الآخر وقد خلقنا الله مختلفين فى كل شئ

فمنا من يصلحه غنى ومنا من يهذبه فقر

ثم قام شاب قائلا لكن يا حكيم ألا ترى أن من علامة رضا الله الغنى؟

فعاجله الحكيم قائلا إطلاقا بنى فقد أعطى الله سبحانه قارون المال وهو لا يحبه وأعطى سيدنا عبدالرحمن بن عوف المال وهو يحبه ولم يعط المال لجل الأنبياء وهم الأقرب اليه

فعطاء الله للعباد لم يكن ابدا محظورا

فإن أعطاك الله المال فاشكر الله على ذلك وانفقه على أهل بيتك ونفسك ومن تعول بلا إسراف أو تقتير ولا تنسى حق الفقير والمسكين واليتيم واجعله دائما تحت قدمك فتعلوبه وان جعلته فوق راسك ممسكا به سوف تسوخ أقدامك بالرمال ولن تستطيع التقدم للامام

والذين يكنزون الأموال من ذهب وفضه ولا يخرجون زكاتها أو يساهمون بها فى إعمار حركة الكون ستكون هذه الأموال وبالا عليهم بالآخرة فخير الناس من يشاركه الناس فى عيشه وشرهم من يغلق على نفسه الأبواب ويقول نفسي نفسي

ثم قلب الحكيم بصره فيمن يتحلقون حوله بحديقته فرأى فتاة يبدو عليها الفقر واليتم متدثرة باثمال واطمار بالية قديمة فرق لها فؤاده وقال إن الفقراء بالأرض عيال الله وهم مفاتيح احد ابواب الجنة الثمانية والجنة عند أقدامهم وجنة تطئها اقدامهم

فقام القادرون ممن حوله واغدقوا عليها العطايا فانفرجت اسارير وجهه بابتسامة رقيقة وعقب قائلا عندما تعطى الفقير فلا تحدق فى حيائه العارى التى مزقت ستره الحاجة والفاقة!

ثم قام من مكانه أسفل شجرة التين وتحرك بضع خطوات للامام ثم جلس القرفصاء وامسك عودا يابسا وأخذ يحفر به بالأرض الرطبه وأخرج دودة ثم قال انظروا لهذه الدودة العمياء الصماء الخرساء مطمورة داخل هذا الطين ويرزقها رازق النمال بالرمال!

فلا تقلقوا اعزائى من قضية الرزق فهى مقدرة ومحسومة والكائنات الحية عدا الإنسان لا تعانى من تلك المسألة لأن هدفها بالحياة أن تشبع وفقط اما الإنسان يريد أن يشبع ويجوع غيره كى يسود عليه ويتحكم به ويسيطر عليه

فانظر للدول الغنية ذات القوة والهيمنة تلقى بفوائض الغذاء بالانهار والصحارى فتولد دول فقيرة جراء ذلك فتزداد هيمنة الدول الغنية وتسيطر على تلك الدول أكثر طبعا اتكلم هنا عن الدول الخالية من معانى الحق والخير والجمال

ثم قام منتصبا بهيا فى حلته البيضاء وغطاء راسه الأشد بياضا ورفع بصره إلى أعالى الأشجار فشاهد الطيور على أشكالها وهى تتجمع فوق الأغصان ولها صليل ورأى قرص الشمس وهو متجه نحو الغروب كامل الاستدارة احمر قانى خال من الأشعة الحارقة أشبه بوجه فتاة عذراء يعلوها الحياء متجهة لمخدعها المخملي

فنظر إلى الحكيم شيخ طاعن بالسن ممن حوله وقال هيا يا رفاق نكتفى بهذه الثمار الطيبة اليوم من التى جنيناها من حديقة الحكيم نتركه لخلوته مع محبوبه ففى الليل يحلو الهوى ويتلذذ القلب بنار الجوى وتطفئه دمعات نزلت من عين من ذاب قلبه حبا فى ربه

فأشار لهم الحكيم أن فى امان الله يا احبائى ولكم معى موعد بالغد ان قدر لنا أن نكون من الأحياء بإذن الله

فقال الجميع بصوت واحد بارك الله لنا بعمرك أيها الحكيم نلتقي غدا ان شاء الله

من كتابي حديقة الحكيم دار النيل والفرات للنشر.

د. عبدالحليم هنداوى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإثار

 بقلم الشاعر بندر حمود العامري  ¤¤¤  الإثار. ¤¤¤ الكاتب/أ_ بندر حمود العامري.                            ¤¤¤  كان يصلي في مسجده القريب من من...